الكوانتم ..كابوس الكلاسيكية .. البداية

1stذهبت الفيزياء، بعد أن شاخت، لتستريح تحت ظل شجرة من أشجار الغابة القريبة. ويا للصدفة، فقد كانت شجرة تفاح.
انتظرت وقد حنَّ قلبها إلى ذلك الماضي الذي لا يزال قريبا. ولكن للأسف، فلم يعد هناك “نيوتن” لتلوذ برأسه التفاحات. ولم يعد هناك أثير، فقد قتله قاتلان مأجوران فقط بالأمس القريب.هامت بفكرها وتقاذفتها أمواج الحنين والشوق إلى أيام المجد.

وفي لحظة خاطفة توقف عندها الزمن، واحتال البياض سوادا، وغدت الدنيا كما لم تغد من قبل، وجدت نفسها مطعونة بطعنتين نافذتين.
هوت على الأرض، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، ونظرت للقاتل، وياليتها لم تنظر…

أغمضت عينيها، وزهقت روحها بعد أن كان آخر ما رأته هو وجه ابنتها القاتلة.

العالم المستقر الجميل!

من منّا يستطيع أن ينكر أن صورة الكون على طريقة إذا عرفنا المطعيات تنبأنا بالناتج أو “الحتمية”، هي أفضل طريقة مستساغة لفهم الكون وآلية عمله، واسهلها تناسقا مع المنطق المعروف والسائد؟، “فلا شك أن الحتمية تحظى بقبول سيكولوجي تريح الإنسان حين تخبره أنه يعيش في عالم كل مافيه ضروري، بيد أنها راحة أصبحت حراما في عالم العلم”.[i]

لقد بلغ الإيمان بالحتمية بالعالم الرياضي الفرنسي لابلاس بأن قال أنه لو قدر لذكاء ما استطاع معرفة وضع كل جزيئات المادة في لحظة معينة، فإنه يمكن التنبؤ بالمستقبل بكل سهولة![ii]

لقد كان هذا التفكير “الحتمي” للظواهر هو المسيطر لدى كثير من العلماء حتى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، عندما بزغ فجر مجموعة من العلماء استطاعوا أن ينحوا بالفيزياء منحى غير من وجهها تغييرا جذريا لا زالت نتائجه تبهر كل من عرفها حتى يومنا هذا!

البداية!

لقد كان لأفكار ظهرت في بدايات القرن العشرين مثل حل مشكلتي إشعاع الجسم الأسود (Black Body Radiation) والتأثير الكهروضوئي(Photoelectric Effect) بواسطة ماكس بلانك وأينشتين على الترتيب، وكذلك النموذج الذري للعالم لبور ومشاكله أعظم الأثر في بزوغ “الكوانتم” بمفهومه الحديث.

وسوف نناقش في الأسطر القادمة هاتان المشكلتان بالذات وحلهما الذي أفضي في النهاية لنظرية من أعظم النظريات العلمية في التاريخ، وطعن الحتمية الكلاسيكية في مقتل!

اشعاع الجسم الأسودBlack Body Radiation

بداية، ما هو الجسم الأسود؟ الجسم الأسود هو جسم قادر على امتصاص جميع الأشعة الساقطة عليه دون عكس أي منها لحظيا، ولكنه يعكس جميع الأشعة الساقطة عليه دفعة واحدة.

حاول عالمان وهما رايلي وجينز تفسير اشعاع الجسم الأسود الذي كان له تصرف غريب وهو أن طاقته كانت تزداد بزيادة التسخين حتى تصل لقيمة عظمى ثم تبدأ بالانخفاض، وهو ما خالف التصور القديم الذي كان يتصور أن هذا الإشعاع سوف تزداد طاقته بزيادة التسخين.[iii]

قام  العالمان بتفسير هذا السلوك مستخدمين تفسيرات الفيزياء الكلاسيكية التي تقتضي بأن الجسم يشع اشعاعا متصلا وليس منفصلا، واستنتجا قانونا يسمى بقانون رايلي جينز(Rayleigh-Jeans law) ، والذي كان يعبر عن شدة الاشعاع كدالة في التردد عند ثبوت درجة الحرارة. (أي أن شدة الإشعاع الصادرة عن الجسم الأسود تزداد بزيادة التردد).[iv] ولكن ظهرت هنا مشكلة أخرى، وهي أن هذا القانون كان يتفق مع النتائج التجريبية فقط في الترددات الصغيرة، أما إذا كانت الترددات كبيرة، فإن القانون يظهر قصورا في التعامل معها. بل ويتوقع أن تكون قيمة الطاقة لا نهائية عند زيادة التردد أكثر فأكثر، وبالطبع هذا لا يحدث تجريبيا. وسميت هذه المشكلة بالكارثة فوق البنفسجسة (The Ultraviolet catastrophe)، لأنه كلما زاد التردد توجهنا لمنطقة الأشعة فوق البنفسجية التي تحدث بها المشكلة.

وفي العام 1900 وضع بلانك حلا لتلك المعضلة الكبيرة. وكان ملخص ما توصل إليه بلانك (في ورقة علمية نشرت في العام 1900) بعد دراسة موضوع إشعاع الجسم الأسود هذا، إن الموجات الكهرومغناطيسية، وتشمل الضوء، لا تنبعث إلا بمقادير معينه من الطاقة (أو “كمات” من الطاقة) منفصلة وليست متصلة، وهذا خالف النظرة الكلاسيكية التي كانت تقول أن الإشعاع الكهرومغناطيسي إشعاع مستمر يصدر بطريقة متصلة.

واستطاع بهذا (عن طريق مجموعة من المعادلات) تفسير سلوك هذا الاشعاع تفسيرا يتوافق تماما مع النتائج التجريبية.

انظر الصورة التالية [v] والتي توضح الفرق بين تصور الفيزياء الكلاسيكية وتصور بلانك المتسق تماما مع النتائج التجريبية.

Blackbody-lg

العلاقة بين الطول الموجي وشدة الموجة. الخط الأسود يعبر عن النظرة الكلاسيكية والتي تقتضي بزيادة شدة الإشعاع مع زيادة التردد (أو نقص الطول الموجي)، أما الخط الأزرق فهو المتفق مع تنبؤات بلانك ومتفق كذلك مع النتائج التجريبية.

التأثير الكهرو ضوئي Photoelectric Effect

ظاهرة التأثير الكهروضوئي هي ظاهرة انبعاث الإلكترونات من سطح المادة وتحررها عند سقوط إشعاع كهرومغناطيسي ذو تردد معين عليها، وأول من لاحظها كان العالم هينريك هيرتز في العام 1887.[vi]

ما المشكلة هنا إذا؟

كانت المشكلة الأبرز  في ظاهرة التأثير الكهرو ضوئي هي أن الضوء كان من المعتقد في وقتها أنه عبارة عن موجات فقط. وعلى حسب النظرة الكلاسيكية فمن المفترض أنه عندما تزداد شدة الإضاءة على المعدن، فإن الإلكترونات ستنطلق بطاقة حركة أكبر. لكن التجارب أثبتت أن هذا لا يحدث فعليا، فطاقة حركة الإلكترونات لا تعتمد على شدة الموجة الساقطة! ولكن تعتمد على التردد. وليس هذا فحسب، بل إن الإلكترونات لا تنطلق من سطح المعدن إلا إذا كان هناك تردد معين للضوء الساقط، وليس أقل منه.

ملحوظة: كان هناك عدد من المشاكل في التفسير الكلاسيكي لظاهرة التأثير الكهرو ضوئي، ولكن آثرنا أن نناقش أسهلها للفهم وأشهرها.

(التردد هو عدد الموجات المسافرة في الثانية الواحدة، وتقاس بوحدة الهرتز)

في عام 1905، وعندما كان عمره 26 عاما، جاء أينشتين بتفسير لنظاهرة التأثير الكهروضوئي (والتي حاز بها جائزة نوبل، وليس على نظريته النسبية كما يعتقد البعض). وقال فيها أن الضوء عبارة عن من الطاقة quanta ،عندما تسقط على سطح المعدن فإن كل منها يستطيع إطلاق إلكترون وتحريره من السطح إذا كان يملك الطاقة الكافية. [vii] وأطلق على هذه الكمات بعد ذلك اسم “فوتونات” (Photons).

وهنا نشير إلى أن ماكس بلانك كانت نظرته للتكميم هي ان الطاقة الكهرومغناطيسية ذاتها عبارة عن أجزاء وليست متصلة وهذه الأجزاء عبارة أيضا عن موجات، أما أينشتاين فاقترح أن تكون تلك الأجزاء عبارة عن جسيمات، وهي الفوتونات.

وكيف حل هذا المشكلة؟

أولا عند زيادة شدة الإضاءة فهذا يعني زيادة عدد الفوتونات الساقطة، و هذا لا يعني أن تزداد طاقة حركة الإلكترونات، لأنه حتى لو كان هناك عدد كبير جدا من الفوتونات تسقط على سطح المعدن ولكنها لا تملك طاقة كافية فلن تستطيع تحرير الإلكترون وإطلاقه من السطح مهما زاد عددها! وهذا يفسر أيضا لماذا يجب أن يكون للتردد قيمة معينة قبل أن يبدأ في إطلاق الالكترونات من سطح المعدن، وذلك لأن الطاقة تعتمد على التردد . فإذا لم يكن لدينا تردد كافي لانتاج طاقة كافية، فلن يتحرر الإلكترون.

Einestein paper

صورة لجزء من الورقة العلمية التي تقدم بها أينشتاين في عام 1905 والتي تفسر ظاهرة التأثير الكهروضوئي [viii]

الآن وبفضل بلانك وأينشتاين ومجموعة كبيرة من العلماء أصبح لدينا كمات من الطاقة الكهرومغناطيسية بالإضافة لما كان سائدا من قبل من أنها موجات. كيف يكون للشئ طبيعتان؟ومتى وأين سيتصرف بكل طبيعة فيهما؟ وكيف سيقود هذا العلم لمزيد من الغرابة؟ سنرى ذلك في الأسطر القادمة.

الطبيعة المزدوجة Wave Particle Duality

صيغ هذا المبدأ كنتيجة للأفكار السابقة لأينشتاين وبلانك وغيرهم من العلماء، والتي أوضحت إمكانية أن يتصرف الفوتون كجسيم وكموجة. وللحق، فقد كان نيوتن من أوائل المتحدثين عن إمكانية تكون الضوء من جسيمات، ولكن لم يكن له حظ كبير من التجريب لإثبات صحة فرضيته.

وفي العام 1924، وضع العالم دي برولي فرضيته المشهورة أن لكل جسم طبيعة موجية، وليس فقط الضوء. ووضع لها معادلة يمكننا أن نستنتج منها طول موجة أي جسم.[ix]

ولن نجد مثالا للطبيعة المزدوجة للأجسام أوضح وأمتع من تجربة الشق المزدوج!

تجربة الشق المزدوج (Double slit Experiment) .

أجريت هذه التجربة في بداية الأمر في عام 1801 على يد العالم توماس يونج(Thomas Young)، والتي أثبت بها الطبيعة الموجية للضوء (أي أثبت أن الضوء عبارة عن موجات). وبها أيضا استطاع تحديد الأطوال الموجية للموجات المستخدمة.

ويجدر ذكرا هنا أن تلك النتائج التي توصل لها يونج قد قوبلت برفض كبير في بداية الأمر لتعارضها مع تصور نيوتن القائل بأن للضوء طبيعة جسيمية.

young1

نمط التداخل يظهر على الحائل

وكانت التجربة عبارة عن مصدر ضوئي أمامه حائل به فتحتين صغيرتين (تعتمد أبعادهما على الضوء المستخدم)، وعند اطلاق الضوء يمر خلال الفتحتين ثم تتداخل الموجتان الناتجتان من الفتحتين ليظهر أثر التداخل على شاشة تقع خلف هذا الحائل، وهذا الأثر عبارة عن مناطق مضيئة وأخرى مظلمة متوزعة على الشاشة.

حتى هذه اللحظة وفي كل ما قرأت من هذا المقال، اعتقد أنك لم تجد ما قد يبهرك بنظرية الكوانتم، تلك التي غيرت مفاهيم كثيرة، ومازالت تربك العلماء حتى هذه اللحظة بعد مرور أكثر من مائة عام على نشأتها، ولكن تريث وحاول أن تنفض غبار الكسل عن عقلك، لأنك في السطور القادمة حتما ستُبهر.

أعيدت تجربة الشق المزدوج مرة أخرى لاحقا، واستخدم فيها هذه المرة الكترونات بدلا من الضوء. فأنت تعلم من فرضية دي برولي أن لكل الجسيمات طبيعة موجية، فلا ضير إذا من استخدام إلكترونات بدلا من الفوتونات.

وللتبسيط بقدر المستطاع، سنوضح التجربة كخطوات حتى تصل للنهاية الغريبة!

أولا: تم استخدام الكترون واحد مع حائل به شق واحد، وكانت النتيجة الحادثة، والمنطقية كذلك، ألا يظهر نمط التداخل على الشاشة، فقط ضرب الكترون الشاشة بعد أن مر من الشق.

young2

ظهور نمط التداخل أيضا مع الإلكترونات

ثانيا: تم استخدام الشق المزدوج مرة أخرى، وتم إطلاق الكترون، والذي من المفترض أن يمر من أحد الفتحتين دون الأخرى محدثا أيضا نقطة على الشاشة، ومن المفترض كذلك ألا يتكون نمط التداخل المعهود. ولكن ما حدث أنه بعد إطلاق عدد من الالكترونات المنفردة خلال الشقين بدا نمط التداخل مرة أخرى على الشاشة وكأن الالكترون انقسم إلى الكترونين قبل أن يمر بشق من الشقين، وتداخل هذين الالكترونين بعد مرورهما من الشق مكونَين نمط التداخل على الشاشة، فقط تصرف الالكترون الواحد كموجتين تداخلتا مع بعضهما!

ثالثا: وبسسب هذا السلوك المحير للالكترون، يتم وضع جهاز يستطيع مراقبة الالكترون قبل دخوله الشقين لمعرفة ما الذي يحدث بالضبط، ولكن وللعجب، عند محاولة مشاهدة الالكترون ومحاولة معرفة كيف يتم نمط التداخل هذا بإلكترون واحد، فإن الإلكترون لا يتصرف كموجة، بل كجسيم واحد متخذا مسار وحيد خلال إحدى الشقين!

عدم ظهور نمط التداخل عند وضع ملاحظ [x]

عدم ظهور نمط التداخل عند وضع ملاحظ [x]

تمت هذه التجربة على جسيمات عده، كالفوتونات، علاوة على الإلكترونات، وكانت النتيجة واحدة. وهي أن الجسيم يظهر نمط التداخل أي يظهر كموجة عندما لا نحاول مراقبته، ولكن بمجرد أن نحاول أن نراقبه يتصرف كجسيم وحيد! [xi][xii]

ما هو تفسير العلماء لهذا السلوك الشاذ على الأقل بالنسبة لنا؟ وما هي بقية الغرائب التي ستتناولها الكوانتم؟ وهل هذه التفسيرات كان لها صدى تطبيقي؟ وهل كانت ميكانيكا الكم مجرد تفسيرات وملاحظات لظواهر غريبة؟ أم أن هناك تطبيقات عملية لنظرية الكوانتم؟

هذا ما سنحاول الإجابة عنه في المقال القادم بإذن الله.

sources

i- يمنى طريف الخولي، فلسفة العلم في القرن العشرين، سلسلة عالم المعرفة، ص227

ii- غوستاين جاردر، عالم صوفي تاريخ الفلسفة، النص العربي حياة الحويك عطية، دار المنى، ص245

iii- يوسف البناي، ميكانيكا الكم بين الفلسفة والعلم، ص11

iv- The Ultraviolet catastrophe – vergil.chemistry.gatech.edu/notes/quantrev/node3.html

v- Image Source and its description :Ultraviolet Catastrophe -http://en.wikipedia.org/wiki/Ultraviolet_catastrophe

vi- Photoelectric Effect – http://physics.info/photoelectric

viii- Image Source: Einstein, Albert (1905). “Über einen die Erzeugung und Verwandlung des Lichtes betreffenden heuristischen Gesichtspunkt”. Annalen der Physik 17 (6): 132–148. Download from here OR Download English translation

x- Three Images of Young Experiment From Animation of Double slit Experiment Author: Jubobroff – https://en.wikipedia.org/wiki/File:Wave-particle_duality.ogv

xii- Animation of Double slit Experiment Author: Jubobroff – https://en.wikipedia.org/wiki/File:Wave-particle_duality.ogv

Advertisements

About ياسر أبوالحسب

أهتم بالعلوم، وأكتب مقالات فيها .. أحاول أن أكتب رأيي بلا تحفظ.. اكتب قليلا من الخيال العلمي، ومثلي الأعلى فيه جورج ويلز. يمكنك متابعتي على تويتر على هذا الحساب @YasserHassab
هذا المنشور نشر في مقالات علمية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s