مهندسو الخيال003: EX Machina والوعي والذكاء

scifieng003

مهندسو الخيال: حلقة 003

ربما كانت بداية الذكاء الاصطناعي أو التفكير في احتمالية وجود آلة مُفكرة أو “ذكية” Intelligent Machine، ربما كانت فلسفية –مثلها مثل علوم كثيرة- كنوع من أنواع الأفكار التي نستطيع بها أن نحدد ما معنى أن تكون إنسانا، أو ما هي الصفات المميزة للإنسانية. ومن الفلاسفة الذين استخدموا المصطلح مجازياً الفيلسوف الفرنسي الكبير، “أبو الفلسفة الحديثة” كما يُطلق عليه، “رنييه ديكارت” René Descartes (1596- 1650).

تطوّر المفهوم بعد ذلك من قبل بعض الفلاسفة الأُخَّر ومنهم الألماني “جوتفريد لايبنتس” Gottfried Wilhelm Leibniz (1646-1716)، والذي رأى إمكانية حقيقية لصناعة آلة منطقية ميكانيكية تستخدم القواعد المنطقية لحل المسائل.

EX Machina، وتورينج

بعدما أختير لأن يُجري اختبار تورينج مع ذكاء اصطناعي، سأله صانع الذكاء الاصطناعي عن رأيه في محاوراته مع الذكاء الاصطناعي، فرد:

إنّها حلقة مغلقة، كأنك تجرب شطرنج الحاسوب بلعب الشطرنج فقط. أعني بوسعك أن تلعب معه لكي تعرف ما إذا كان يقوم بحركات جيّدة، لكن هذا لن يخبرك إذا كان يعرف بإنه يلعب شطرنج. ولن يخبرك إذا كان يعرف ما هو الشطرنج”

المحاكاة مقابل الفعل

وأظن أن تكون قادراً على التفريق بينهما هو أختبار (تورينج) الذي تريدني أن أؤديه.

الحوار بتصرُّف من فيلم EX Machina 2015

واختبار “تورينج” هو اختبار يُحدد ما إذا كانت الآلة تملك ذكاءً ظاهريا مماثل لذكاء الإنسان. وسمي كذلك نسبة لواضعه “آلان تورينج” في عام 1950. وفيه –باختصار- يجيب حاسوب (مخفي عن الأنظار) على شخص يسأله، فإذا استطاع الشخص أن يحدد أن هذه الإجابات من حاسوب وليست من إنسان، يكون الحاسوب فشل، وإذا لم يستطع الشخص أن يحدد هل تلك الإجابات من حاسوب أم إنسان، يكون الحاسوب نجح حينها في الاختبار.

الذكاء المستحيل

في كتاب “فيزياء العقل البشري”، كتب ستيفن هوكنج أنّه من المستحيل أن تعرف إذا كان “الشيء” الذي أمامك فعلا واعيا أم أنه يتصنّع الوعي. فلو طرق بابك في صباح الغد كائن أخضر، وفتحت له الباب وحادثته، لن تستطيع أن تجزم: هل هو واعي بوجوده أم لا؟ هل هو يعي أنه يعي؟ أم لا؟

الحقيقة أنّ الوعي –بجانب مشكلات أخرى- يعد من أكبر المشاكل التي تواجه أبحاث الذكاء الاصطناعي، ذلك أننا لم نفهم الوعي البشري بشكل نستطيع به صنع واحد.

يجادل البعض بأنّ الذكاء (وبالتبعية الوعي كما سنذكر) البشري لن تصل إليه آلة في يوم ما، ومن كبار هؤلاء العلماء عالم الرياضيات الإنجليزي الشهير روجر بنروز (ولد عام 1931)

في عام 1931 برهن العالم “كورت جودل” (Kurt Gödel) على أن هناك بعض القضايا الرياضية لا يمكن أن نبرهن على صحتها باستخدام خوارزمية أو طريقة للحل. بمعنى أن تلك المسائل ستحل بعدد لا نهائي من الخطوات.

)الخوارزمية Algorithm: هي مجموعة إجراءات حسابية أو منطقية متتالية تصل بنا لحل مسألة ما ، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى العالم المسلم محمد بن موسى الخوارزمي(.

ماذا يعني هذا؟ هذا يعني –من وجهة نظر بنروز- أنه من المستحيل وضع خوارزمية معينة تمثل المخ البشري، لأن كل ما يمكن الآلة فعله هو تتبع خوارزمية معينة. والخوارزمية لا يمكن أن تصل دائما لحل لبعض المشكلات التي يحلها البشر عن طريق الحدس، إذا المخ غير خوارزمي فلا يمكن تمثيله بخوارزمية. فالفهم الرياضي عنده “لا يعد شيئا حسابيا، وإنما يعتمد على مقدرتنا على الوعي بالأشياء”. وبالتبعية لن تصل آلة في يوم ما إلى الذكاء البشري.

ويحاول تفسير أن البشر يستطيع حل مشكلات لا حل خوارزمي لها، بأن العقل البشري يقوم بالحوسبة الكمومية.

بكل تأكيد كان هناك ردا على ذلك بأن الخلايا العصبية أكبر من أن تظهر عليها التأثيرات الكمومية. لذلك قال بنروز أنّ الخلايا العصبية تحتوي على تكوينات صغيرة تسمى microtubules قد تستطيع إجراء الحوسبة الكمومية.

وعند بنروز، “الذكاء” لابد أن يكون مقترنا بوعي حتى يُسمّى “ذكاءً”.

كانت هناك ردود على بنروز منها ما قدم راي كيرزويل في “عصر الآلات الروحية” ، بأنّ التأثيرات الكمومية يمكن إجراءها في الآلات أيضا، ولا تقتصر على المخ البشري. (الردود بالتفصيل صفحتي 159 و 160)

غالبا الجدل حول الوعي لن ينتهي قريبا.. ما أصل وجوده؟ وهل الوعي أساسا خاصية للمادة نفسها؟ أم غير ذلك؟ هل هو مرتبط بالذكاء البشري، وكيف يمكن توظيفه- إن أمكن- في روبوتات المستقبل؟ أم أن الوعي خاصية فهمها يتجاوز الفيزياء والكيمياء، كمصطلح آخر وهو “الإدراك”.. فكلاهما –الوعي والإدراك- لا نستطيع -كما يجادل آخرون- بالتفسير المادي لهما أن نعطى تفسيرا مقنعا لأشياء مثل “الأحاسيس و المشاعر” و”القدرة على التخيل”؟

جدل قائم من قرون طويلة أطلق عليه بعضهم The Hard Problem أو “المشكلة الصعبة”.

sources

  • Bruce G. Buchanan, A (Very)Brief History of Articial Intelligence, AI Magazine Volume 26 Number 4 (2006) (AI Magazine Volume 26 Number 4 (2005), P53-60
  • روجر بنروز، ستيفن هوكنج، إبنر شيموني، نانسي كارتريت، فيزياء العقل البشري والعالم من منظورين، ترجمة عنان علي الشهاوي، دار كلمات عربية للترجمة والنشر 2009. ويمكنك قراءة المزيد بالرجوع لكتاب بنروز أيضا “عقل جديد للإمبراطور”.
  • راي كيرزويل، “عصر الآلات الروحية، راي كيرزويل، عصر الآلات الروحية، ترجمة عزت عامر، دار كلمات عربية للترجمة والنشر 2010، ص159، 162
  • روبرت م. أجروس وجورج ن. ستانيو، العلم في منظوره الجديد، سلسلة عالم المعرفة كتاب رقم 134، المجلس الوطني للثقافة والفنون-الكويت، ص 134
Advertisements

About ياسر أبوالحسب

أهتم بالعلوم، وأكتب مقالات فيها .. أحاول أن أكتب رأيي بلا تحفظ.. اكتب قليلا من الخيال العلمي، ومثلي الأعلى فيه جورج ويلز. يمكنك متابعتي على تويتر على هذا الحساب @YasserHassab
هذا المنشور نشر في مقالات تخص الخيال العلمي ومراجعات لرواياته, حلقات "مهندسو الخيال" وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s